الكاتب: هزار حسين
إذا كان هناك جائزة لأكثر من يجيد فن التعايش مع الأزمات دون حلها، فإن القيادة السياسية الفلسطينية داخل الخط الأخضر ستكون المرشح الأوفر حظًا. فمنذ عقود، يبدو أن المشهد السياسي الفلسطيني في الداخل يدور في حلقة مفرغة من الخطابات النارية، البيانات الغاضبة، والاجتماعات التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاجتماعات، بينما تتسارع وتيرة القمع والاستيطان والإقصاء.
تاريخ المشاركة العربية في الكنيست
منذ إعلان تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 (الغائر)، شارك المواطنون العرب في الانتخابات البرلمانية، وشهد تمثيلهم تغيُرات ملحوظة على مر السنين.
في البداية، كانت المشاركة مقتصرة على أفراد ضمن أحزاب صهيونية، لكن مع مرور الوقت، تأسست أحزاب عربية مستقلة تعبر (يفترض) عن تطلعات المجتمع العربي.
في عام 2015، ونتيجة لرفع نسبة الحسم الانتخابي إلى 3.25%، توحدت الأحزاب العربية الرئيسية—الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي)، والحركة العربية للتغيير—في قائمة مشتركة. هذا التحالف أثمر عن حصول القائمة على 14 مقعدًا، مما جعلها ثالث أكبر كتلة في الكنيست آنذاك.
وحين يتمكن النواب العرب من دخول الكنيست، يجدون أنفسهم داخل أروقة البرلمان الإسرائيلي، يواجهون تحديات جسيمة في التأثير على السياسات والقوانين التي تُسنّ، والتي غالبًا ما تكون مهينة لهم اولاً، ومعادية لمصالح الشعب الفلسطيني، والذي أسموهُ في اسرائيل ”المجتمع العربي“.
لم هذه الاحزاب تقدم سوى خلافات داخلية متكررة وانقسامات عبثية. فمن تحالفات تنشأ لأسابيع ثم تنهار بسبب صراعات شخصية، إلى معارك على ترتيب القوائم، وكأن القضية الجوهرية ليست مواجهة العنصرية بل من سيحصل على المقعد الأول. وفي النهاية، يصبح أقصى الطموحات هو تحقيق نسبة الحسم، بينما الحكومة الإسرائيلية تواصل سياساتها دون أدنى عائق.
التشتت السياسي الذي تفاقم بعد انهيار القائمة المشتركة هو انعكاس واضح لحالة الانقسام الأكبر التي يدفع الشباب ثمنها. بدلًا من أن تُترجم هذه الوحدة السابقة إلى قوة ضغط حقيقية، تحولت إلى محطة أخرى من محطات الانفصال والخلافات الحزبية. النتيجة؟ أجيال صاعدة أكثر عزلة عن العمل السياسي، ترى في المشهد القائم مجرد تناوب على الفشل، لا مشروعًا يمكن الانخراط فيه بإيمان.
ويتحول دورهم في الغالب إلى “شهود زور” على القوانين العنصرية التي يتم تمريرها بالإجماع تقريبًا، بينم تُرفع الأصوات الاحتجاجية في قاعة البرلمان وكأنها مجرد جزء من بروتوكول شكلي لا يؤثر في شيء،
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو “قانون الدولة القومية” الذي أُقرّ في يوليو 2018. هذا القانون يُعرّف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، ويمنح حق تقرير المصير حصريًا لليهود، مما يُهمّش المواطنين العرب ويُقصيهم من الهوية الوطنية للدولة. خلال جلسة التصويت، عبّر النواب العرب عن رفضهم الشديد بتمزيق نص القانون داخل الكنيست، ووصفوه بأنه يُكرّس نظام الفصل العنصري (أبارتهايد).
سابقا له؛ في يوليو 2016، صادق الكنيست على ما يُسمى بـ”قانون الإقصاء”، الذي يُتيح لأعضاء الكنيست إقصاء زملائهم بأغلبية معينة، وذلك بتهم مثل التحريض على العنصرية أو دعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل. هذا القانون وُجّه بالأساس نحو النواب العرب، خاصة بعد لقائهم مع ذوي الشهداء الفلسطينيين، مما يُبرز محاولات مستمرة لتقليص التأثير السياسي للقيادات العربية داخل البرلمان.
في أكتوبر 2024، أقرّ الكنيست سلسلة من القوانين التي تستهدف المواطنين العرب وتُقيّد حرياتهم السياسية. من بين هذه القوانين، تشريع يسمح بشطب ترشيح أي فرد أو حزب يُتهم بتأييد ما يُصنّف كـ”إرهاب” أو دعم الكفاح المسلح، حتى دون أدلة ملموسة.
اللجان الشعبية التي يفترض أن تكون صوت الشارع، تحولت إلى نوادٍ للنقاش النظري. كل أزمة جديدة تستدعي “اجتماعًا طارئًا”، يتمخض عن بيانات استنكار شديدة اللهجة، ثم لا شيء. لا استراتيجيات، لا خطط، لا مواجهة حقيقية. وكأن المطلوب هو أن نؤدي طقوس الغضب دون أي التزام حقيقي بتغيير الواقع.
القيادات المحلية، من بلديات وأعضاء مجالس، أصبحوا خبراء في سياسة “إدارة الأزمات عبر تجاهلها”. فالجرائم المنظمة تنهش المجتمع العربي، والعنف المستشري يلتهم الشباب، والشرطة الإسرائيلية تقف متفرجة، بينما يتفنن المسؤولون العرب في إلقاء اللوم على الجميع إلا على عجزهم هم أنفسهم. في المقابل، تجدهم يقيمون مهرجانات احتفالية بعد كل تصريح فارغ من الحكومة حول زيادة الميزانيات، وكأن التاريخ علمنا أن الحقوق تُمنح عبر حسن النوايا وليس عبر الضغط الفعلي.
أما الشباب الفلسطيني داخل الخط الأخضر، يظل الحلقة الأكثر إخلاصًا للقضية، والأكثر ضياعًا في آن. هم الجيل الذي يحمل على كاهله إرثًا ثقيلًا من النضال والهوية، دون أن يجد جسورًا واضحة تعبر به نحو مستقبلٍ سياسي مستقر. رغم وعيهم العميق بتعقيدات الواقع، يجدون أنفسهم في مواجهة فراغ قيادي، إذ لا تيار سياسي يتبناهم بصدق، ولا استراتيجية جامعة تحتوي طاقاتهم وتوجهها بشكل فعّال. لقد نشأ هذا الجيل في بيئة مشحونة بالشعارات الكبرى، لكنه لم يُمنح الأدوات الحقيقية لترجمة انتمائه إلى فعل مؤثر. انقسمنا بين من فقد أي إيمان بالعمل السياسي واعتبره مضيعة للوقت، ومن لا يزال عالقًا في نَفَس الخطاب العاطفي الذي لا يتعدى وسائل التواصل الاجتماعي.
وبين هذا وذاك، تبقى إسرائيل تكرس سياساتها التمييزية دون أي مقاومة فعلية، بينما يكتفي القادة الفلسطينيون بتذكيرنا كل حين بأنهم ما زالوا هنا، يتحدثون، يصرحون، ويشجبون.
في ظل هذه الظروف، يتساءل الكثيرون عن جدوى المشاركة العربية في الكنيست. هل يمكن للنواب العرب تحقيق تأثير حقيقي في بيئة تشريعية تُسنّ فيها قوانين تُقصيهم وتُهمّش مجتمعاتهم؟ أم أن وجودهم يُستخدم كديكور ديمقراطي لتجميل صورة نظام يتجه نحو مزيد من التمييز والإقصاء؟ هذه التساؤلات تستدعي إعادة تقييم استراتيجية العمل السياسي العربي داخل إسرائيل، والبحث عن سبل جديدة وفعّالة لتحقيق الحقوق والمطالب المشروعة للمجتمع العربي.
وفي كل دورة انتخابية، يعود الجدل نفسه: هل نشارك في الكنيست أم نقاطعه؟ وبعد جولات من المزايدات السياسية، يجد الجميع
أنفسهم على أبواب الأحزاب الصهيونية يستجدون بعض الفتات السياسي.
رغم الجهود المبذولة من قبل النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي، يظل تأثيرهم محدودًا في ظل التحديات السياسية والهيكلية القائمة. هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات المتبعة، وتعزيز الوحدة الداخلية، والبحث عن آليات جديدة لتحقيق مطالب وحقوق المجتمع العربي داخل إسرائيل.
ما يحتاجه الشباب الفلسطيني اليوم ليس المزيد من الخطابات العاطفية ولا صراعات النخب، بل حاضنة سياسية واجتماعية تحميه من الضياع، توجّهه إلى مساحات تأثير فعلية، وتؤسس لمسار سياسي لا يعيد تدوير الهزائم، بل يبني على الوعي المتجذر فيهم ليصنع معادلة جديدة، يكون فيها النضال ممارسة يومية، لا مجرد شعار يُرفع في مواسم الانتخابات.
في الكنيست، يشاهد النواب العرب يكررون خطابات ملتهبة، دون أن يترجموا تلك الحماسة إلى سياسات تحمي حقوقه اليومية. في الميدان، يراقب صراعات الأحزاب العربية وهي تستهلك نفسها في صراع نفوذ لا يقدم إجابات على الأسئلة الصعبة التي يواجهها كل شاب فلسطيني:
كيف نخلق مشروعًا سياسيًا يعكس هويتنا الجمعية دون أن يُستهلك في التناحر الداخلي؟
في ظل هذا الأداء الهزيل، يبدو أن الرهان الوحيد المتبقي هو أن ترتكب الحكومة الإسرائيلية خطأ استراتيجيًا يدفع الناس إلى التحرك الفعلي. وحتى ذلك الحين، سيستمر المشهد على ما هو عليه: سياسة فلسطينية متخبطة، أداء بلا تأثير، وسلطة احتلال تمضي في مشروعها بكل ثقة، مدركة أن خصمها لا يزال يعتقد أن السياسة مجرد خطابات وليس معركة وجود.
هُزمنا حتى بدون مواجهة.
فبينما تواجه غزة حصارًا وعدوانًا لا ينقطع، تتخبط القوى السياسية الأخرى في خلافاتها، منشغلة بحسابات فئوية ضيقة، عاجزة عن الاتفاق حتى على الحد الأدنى من الموقف الموحد.
هذا الفشل الجماعي للأحزاب والقوى السياسية والحقوقية التي تعثرت في تنظيم مسار الشعب الفلسطيني، ولم تستطع بناء حالة موحدة تُعزز مؤازرة المقاومة وتدعم نصرة الأمة.
هزيمتنا في غياب كتلة وطنية متماسكة، تواكب المقاومة وتحمي ظهرها، في الداخل والخارج.
فشل القوى السياسية والحقوقية والمدنية في بناء جبهة داخلية متينة، تحصّن القرار الوطني من الابتزاز الدولي، وتوفّر للمقاومة غطاءً سياسيًا وإعلاميًا وقانونيًا قادرًا على مجابهة الرواية الإسرائيلية. فطالما بقي الفلسطينيون ممزقين بين قوى تتنازع تمثيلهم دون أن تملك مشروعًا واضحًا، وطالما ظل الداخل عاجزًا عن ترجمة طاقاته إلى قوة تغيير، فإننا سنبقى ندور في ذات الدائرة، نتابع البطولة في غزة، بينما العجز يحيط بنا من كل اتجاه.
وحينما ارتفعت الحاجة إلى صوت سياسي ودبلوماسي قوي، قادر على كسر العزلة وتحدي السردية الصهيونية عالميًا، لم نجد إلا بيانات متفرقة، ومبادرات فردية، تفتقر إلى العمق والتأثير الاستراتيجي.
لا يُطرح نقد الذات في سياقنا إلا على إيقاع الهزيمة، وكأنما النقد فعل جنائزي لا يُمارس إلا بعد سقوط المدينة.
في الشرق، حيث يُعاد إنتاج الهزائم بطرق شتى، وحيث فلسطين تلعب الدور المحوري في هذا المشهد، يتحول نقد الذات إلى لعبة خطرة بين جلد النفس والتجديد الفعلي.
نقد الذات هنا غالبًا ما يتحول إلى انتحار فكري، يمارسه المهزومون على أنفسهم بأدوات أعدائهم، وفي هذا النص؛ المهزومون هم كل من هم خارج قطاع غزة، ويعتقدون أن تحليلهم ضروري، وانسحابهم ”مسؤولية“.
تصب اللعنات على الماضي، وتُصنع أضاحٍ من قادة ومفكرين وجنود، وكأن المشكلة في الأشخاص لا في المنظومة. وبينما ينشغل البعض في جلد الذات إلى حد الشلل، يتجه آخرون إلى تبرير الهزيمة، مكرّسين منطق العجز المستدام.
(2)
يُعد كتاب “ما بعد الهزيمة” لصادق جلال العظم من أهم الأعمال التي تناولت نقد الذات في سياق الهزائم السياسية والعسكرية، خصوصًا بعد نكسة 1967. يناقش العظم كيف تحوّل نقد الذات في العالم العربي إلى تبرير للعجز بدل أن يكون أداة للتحرر.
بين التعرية الفكرية وإعادة البناء السياسي في سياق فلسطين والشرق.
يأخذ صادق جلال العظم هذا النقاش في كتابه “ما بعد الهزيمة“، إلى مستوى آخر، حيث يرى أن نقد الذات في العالم العربي بعد نكسة 1967 لم يكن مراجعة فعلية، بل عملية هروب من المسؤولية. فبدلًا من الاعتراف بالخلل في بنية الأنظمة السياسية والفكرية، لجأت كثير من الخطابات إلى تبرير الهزيمة بأسباب خارجية مثل المؤامرة والاستعمار، دون الالتفات إلى مكامن الخلل الداخلي.
إذا كان النقد شرطًا لأي نهضة، فالسؤال هو: هل يتم النقد لتحرير العقل والواقع أم لترسيخ منظومة التبعية؟
منذ نكبة 1948 وحتى الحروب والانتفاضات المتعاقبة، ظل نقد الذات في فلسطين إما مطية لاستيراد نماذج خارجية، أو وسيلة لتبرير العجز والتخبط السياسي. في بعض الحالات، استُخدم النقد لتمرير تنازلات كبرى تحت مسمى الواقعية السياسية، فتم التحول من نقد الأداء إلى نقد المبدأ ذاته، مما قاد إلى تحولات كارثية في الرؤية والاستراتيجية.
يؤكد العظم أن النقد الحقيقي يجب أن يكون تفكيكًا للعقلية التي أدت إلى الهزيمة، لا مجرد محاولة لإلقاء اللوم على جهة معينة. في هذا السياق، يمكن إسقاط تحليله على الحالة الفلسطينية، حيث جرت مراجعات نقدية عقب كل محطة مفصلية، من نكبة 1948، مرورًا بهزيمة 1967، ووصولًا إلى أوسلو والانتفاضتين، لكن دون أن تؤدي هذه المراجعات إلى بناء رؤية استراتيجية متماسكة.
فلسطين
رأس الحربة
-كمختبر لنقد الذات العربي-
في الحالة الفلسطينية، يتخذ نقد الذات طابعًا مركبًا، حيث يتشابك البعد الوطني مع البعد الإقليمي.
ما يلفت الانتباه أنه، رغم أهميته، ظل في الغالب يتخذ شكلًا انتقائيًا، حيث يتم التركيز على بعض الأخطاء دون غيرها، أو يتم تسخير النقد لخدمة مصالح فئوية. فبعد اتفاق أوسلو مثلًا، انقسم الخطاب الفلسطيني بين من اعتبره انتصارًا دبلوماسيًا ومن رأى فيه خيانة، دون أن يتم تفكيك المنهجية التي أوصلت إلى هذه النقطة بعمق.
كل حدث فلسطيني يُنتج سلسلة من المراجعات الفكرية في العالم العربي، لكن هل كانت هذه المراجعات جدية؟ أم أنها وقفت عند حدود البكائيات دون تحول فعلي في الرؤية والوسائل!
في *”ما بعد الهزيمة”*، يحلل العظم كيف أن الهزيمة العربية لم تكن مجرد فشل عسكري، بل تجلٍّ لأزمة فكرية وسياسية أعمق. ويشير إلى أن الأنظمة العربية استخدمت النقد كوسيلة لتبرير استمرارها، بدلًا من كونه مدخلًا للإصلاح الفعلي. هذا ينطبق إلى حد كبير على الحالة الفلسطينية، حيث يتم الحديث عن النقد الذاتي بعد كل هزيمة، لكن دون إجراءات ملموسة للخروج من الحلقة المفرغة.
إذا كان نقد الذات في الفكر العربي قد اتجه إلى محاولة فهم سبب الهزيمة في 1967 من زاوية تفكيك البنية الاستبدادية، فإن الحالة الفلسطينية تتطلب مراجعة أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتعلق فقط بالقيادات السياسية، بل أيضًا بالبنية الاجتماعية، وطبيعة الصراع نفسه. فالسؤال هنا ليس فقط: لماذا هُزمنا؟ ولكن أيضًا: كيف نعيد تعريف النجاح في سياق تحرري طويل الأمد؟
في النهاية، لا يكون نقد الذات مفيدًا إلا إذا قاد إلى الفعل، وإلا تحول إلى فصل آخر من فصول الهزيمة المستمرة. ما يطرحه صادق جلال العظم في *”ما بعد الهزيمة”* يظل صالحًا للنقاش، حيث يؤكد أن مشكلة العرب ليست فقط في الهزائم العسكرية، بل في طريقة تفكيرهم حيالها.
انتحار فكري، نمارسه على أنفسنا بأدوات أعدائنا. تصب اللعنات على الماضي، وتُصنع أضاحٍ من قادة ومفكرين وجنود، وكأن المشكلة في الأشخاص لا في المنظومة. وبينما ينشغل البعض في جلد الذات إلى حد الشلل، يتجه آخرون إلى تبرير الهزيمة، مكرّسين منطق العجز المستدام.
وحده من سقط في ساحة المواجهة المباشرة، من أدرك بمرارةٍ أن الهزيمة الحقيقية كانت في العجز عن بناء حالة وطنية متجانسة.
(3)
يُقال أن الإنسان كائن عقلاني، لكنه أيضًا كائنٌ متناقض بامتياز. ففي حين يتغنى بخطاباتٍ عن الحقوق والكرامة، ينشغل بقتل أخيه الإنسان بدمٍ بارد، ثم يعود ليوقع مواثيق تُحرِّم ما اقترفت يداه، وكأن الحبر على الورق قد يمسح آثار الدماء. منذ أن ابتُكرت فكرة “حقوق الإنسان”، لم تكن أكثر من مسرحية هزلية تُعرض على خشبةٍ دولية، أبطالها دولٌ كبرى، وجمهورها الضحايا والمقهورون.
واليوم، بينما تتطاير أشلاء الأطفال في غزة، وتُنتَشل الجثث من تحت الأنقاض في بقاعٍ مختلفة من العالم، تقف هذه المواثيق كتمثالٍ باردٍ بلا روح، بلا فاعلية، بلا جدوى. فمن أين جاءت هذه المواثيق؟ وكيف أصبحت مجرّد ورقةِ توتٍ تغطي عورات القتلة؟ وهل كان لها يومًا دورٌ سوى تبرير الجرائم وتزييف التاريخ؟
حقوق الإنسان: هبة القاتل أم وثيقة القتيل؟
تُروى القصة الرسمية لحقوق الإنسان وكأنها ميلاد العدالة في عالمٍ متوحش. تبدأ الحكاية بإعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789، الذي زُعم أنه أطلق روح الحرية والمساواة. لكن ماذا عن الملايين الذين سُحقت أعناقهم تحت بساطير المستعمر الفرنسي نفسه؟ كانت تلك الوثيقة إعلانًا عن حقوق فئةٍ معينة، ولعنةً على الشعوب المستعمَرة التي لم يُعتبروا حتى “بشراً” ليشملهم الإعلان.
ثم جاءت الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مضرجةً بأهوال النازية والفاشية، لتقدم للعالم “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” عام 1948. وثيقةٌ جميلةٌ من حيث الصياغة، لكنها خرجت إلى الوجود بينما كانت القوى العظمى تؤسس لدولةٍ تُبنى على التطهير العرقي في فلسطين، وتدعم أنظمة استعمارية تستعبد نصف الأرض. فهل كان هذا الإعلان إلا شهادة زورٍ أخرى تُكتب بيد الجلاد؟
الازدواجية المقدّسة
حين تكون الحقوق انتقائية
لعل أعظم اختراعٍ للدول الكبرى في التاريخ هو مبدأ “الانتقائية الحقوقية”، حيث تُصبح الجرائم مقبولة حين يرتكبها الأقوياء، ومحرّمة حين يقوم بها الضعفاء. ترى، كم مرة اجتمع مجلس الأمن “بقلقٍ عميق” بينما كانت القنابل تُسقط فوق رؤوس الأبرياء؟ كم مرة أصدر المجتمع الدولي “نداءات عاجلة” بينما كانت الطائرات تزرع الموت في شوارع غزة؟
فجأةً، تصبح صواريخ المقاومة الفلسطينية تهديدًا “للسلام العالمي”، بينما يتحول قصف المستشفيات والمدارس إلى “دفاع مشروع عن النفس”. تُفتح المحاكم الدولية لاستقبال قضايا من يريد الغرب معاقبته، لكنها تُغلق حين يكون الجلاد حليفًا للدول العظمى. بل ويُجرَّم كل من يحاول مجرد الحديث عن هذه المعايير المزدوجة، إذ يتحول إلى “محرض على العنف” أو “ناشر للكراهية”.
حين تعرّضت أوكرانيا للغزو الروسي، تحوّل الغرب فجأة إلى مدافعٍ شرسٍ عن حقوق الإنسان، وانهالت العقوبات والاجتماعات الطارئة والتغطيات الإعلامية العاطفية. أما طائرات الاحتلال الإسرائيلي التي تُلقي بحممها فوق غزة، قيل لنا إن القضية “معقدة” وتحتاج إلى “فهم للسياق”.
في الحالتين، يموت البشر، لكن الفارق أن بعض الموتى يملكون قيمةً سياسية، بينما الآخرون مجرد أرقامٍ تُضاف إلى قوائم “الأضرار الجانبية”. لا أحد يبكي الأطفال الفلسطينيين الذين يُمزَّقون إلى أشلاء، ولا أحد يستدعي مجلس الأمن حين تُهدم البيوت فوق رؤوس سكانها. أما إذا كان القتلى من “الفئة المختارة”، فستنطلق الماكينة الحقوقية بكامل طاقتها.
المؤسسات الحقوقية؛ أدوات تجميل للوجه القبيح
في هذا المشهد العبثي، تأتي المؤسسات الحقوقية الدولية كمساحيق تجميل تُخفي بشاعة النظام العالمي. منظماتٌ تصدر تقارير مطولة، بلغةٍ دبلوماسيةٍ ناعمة، عن “المخاوف الحقوقية”، دون أن تملك القدرة (أو الرغبة) في إيقاف المجازر. تُكتب آلاف الصفحات عن معاناة الفلسطينيين، بينما تبقى العقوبات والمحاكمات مجرد “اقتراحاتٍ غير ملزمة”.
أما بعض هذه المؤسسات، فهي لم تعد حتى تحاول التظاهر بالحياد. منظمة العفو الدولية تصف جرائم الاحتلال بـ”الجرائم المحتملة”، وكأن القصف يحتاج إلى تحقيقٍ معمّقٍ ليتأكدوا من أن الأطفال لم يموتوا “بطريق الخطأ”. أما المحكمة الجنائية الدولية، فهي تتلكأ عشرين عامًا لتقرر ما إذا كان يمكن اعتبار حصار غزة جريمة حرب، لكنها تُصدر أوامر اعتقال خلال أسابيع حين يكون المتهم رئيسًا أفريقيًا.
حقوق الإنسان، كما تُمارس اليوم، ليست إلا أداةً في يد الأقوياء، تُستخدم حين تخدم مصالحهم، وتُلقى في القمامة حين تعيق مشاريعهم. لكنها، الكلمة للدماء
احتلالٌ ككل الأكاذيب، لن يصمد للأبد؛
لم يعد لأحدٍ القدرة على ادعاء الجهل. لم يعد ممكنًا إخفاء جثث الأطفال تحت ركام الشعارات الزائفة. العالم كلّه يرى، لكنه قرر أن يتواطأ.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن الدماء التي تُراق بلا حساب، تعود دائمًا لتطالب بثمنها.




