د. محمد حسين الدلال
دخلت اتفاقية وقف العدوان على غزة وتبادل الأسرى يوم الأحد الماضي يومها الأول، وهذه الحرب ما هي إلا جولة لكل من الطرف الفلسطيني المقاوم والطرف الصهيوني المحتل ضمن جولات صراع الحق والباطل بشأن أرض فلسطين ومقدساتها، ومع هذا التوقف الوقتي للحرب أعيد للسطح من جديد طرح تصريحات وكتابات صادرة عن بعض العرب المشككين والمخذلين، ومن البعض الآخر ممن تنقصهم الصورة والرؤية الشاملة للأمور بشأن مدى تحقق أهداف المقاومة الفلسطينية، وهل المقاومة وما تسعى لتحقيقه من أهداف يساوي الثمن الكبير الذي يدفع بدم الضحايا والتدمير الكبير في غزة؟! ويتبع تلك الطروحات سؤال بديهي، فما المفروض أن تقوم به المقاومة الفلسطينية تجاه العدوان المستمر للكيان الصهويني منذ عقود؟
فعلى المستوى الداخلي، فالجراح التي أصابت الشعب الفلسطيني، وبالأخص في غزة من شهداء وجرحى، كانت كبيرة ومؤلمة، لكنها بالمقابل ليست بجديدة، فهم كشعب يعيشون منذ عقود ضمن دائرة الموت تحت يد آلة الكيان الصهيوني المتوحش، والشعب الفلسطيني على الرغم من الحروب المتعددة على غزة 2008، 2012، 2014، 2019، 2021، 2022 وسقوط الآلاف من الشهداء والجرحى، فإن أهل غزة وعموم الشعب الفلسطيني ظلوا مؤيدين وداعمين للمقاومة ودورها الحيوي في مواجهة الكيان المحتل، بل في كل انتخابات برلمانية أو مجتمعية أو طلابية تجد أن قوائم تيارات المقاومة هي التي تتصدر النجاح وقيادة المجتمع الفلسطيني، والأهم من ذلك أن سبب الأعداد الكبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير المباني السكنية والمساجد والكنائس والمستشفيات وممثلي المنظمات الإنسانية وطواقم وسائل الأعلام ومقومات الحياة من ماء ووقود لم يكن بفعل المقاومة، بل ثبت بالأدلة القاطعة المقدمة أمام محكمة العدل الدولية والعالم أجمع أن آلة الدمار للكيان الصهيوني كانت تتعمد عملية القتل العمد والتدمير مع تمكنها بما تمتلك من تقنيات عالية أن تتجنب ذلك.
وعلى مستوى التاريخ والتجربة الإنسانية، فالمقاومة لها حق الدفاع عن حقوقها المشروعة وأرضها ضد المحتل، وقد يتسبب ذلك في ذهاب ضحايا كثر من المقاومين ومن أفراد الشعب، وما يبقى تاريخياً في ذاكرة التاريخ والشعوب هو انتصار الشعوب واندحار المحتل، فالملايين الذين استشهدوا في الجزائر كانوا مقاومين ومدنيين سعوا لرفع الاحتلال الفرنسي عن الجزائر، وكان المتسبب في مقتل تلك الملايين هو المحتل وليس المقاومين الجزائريين، والملايين الذين ذهبوا ضحايا في فيتنام أثناء الحرب الأمريكية على فيتنام كان سببها آلة التدمير الامريكية وليست المقاومة الفيتنامية، والضحايا الفرنسيون أثناء احتلال المانيا لفرنسا لم يكن سبب مقتلهم المقاومة الفرنسية ورئيسها، وإنما كان الجيش النازي المتسبب في الأعداد الكبيرة من الشعب الفرنسي، وآلاف من الضحايا من شعب جنوب افريقيا قتلوا بدم بارد من قبل نظام الفصل العنصري في تلك البلاد، ولم يُقل حينها أن المقاوم مانديلا ورفاقه كانوا متسببين في ذلك، وقد قامت المقاومة الكويتية ضد الاحتلال العراقي الغاشم بدور كبير إيماناً منهم بأهمية المقاومة على الرغم من الفارق في العدة والعتاد بين المقاومين والمحتلين، وتلك التجارب التاريخية أكدت حق الشعوب في المقاومة ضد الاحتلال، وأدانت ممارسات كل أفعال وممارسات أي احتلال، بل إن المنظمات الدولية لحقوق الانسان، والفكر الإنساني الحقوقي بصفة عامة، اعتبرت تحميل مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني ما هي إلا دعاية للاحتلال يحاول من خلالها إلصاق جرائمه بالمقاومين والشعب الفلسطيني.
نقول ختاماً لبعض الكتاب العرب من المخذلين لمقاومة الشعب الفلسطيني، إن قادة العدو الصهيوني بألسنتهم كانوا يحرضون على القتل الوحشي للمدنيين لقناعتهم أن المقاومة تساندها حاضنة شعبية كبيرة من الشعب الفلسطيني، وإن حقائق ما يقع على الأرض الفلسطينية تؤكد نجاح المقاومة الفلسطينية، فآلاف من أهل غزة خرجوا بعد عقد اتفاق وقف العدوان للشوارع داعمين لموقف المقاومة، وان قادة الكيان المحتل والعديد من المراقبين الدوليين أكدوا أن الكيان الصهيوني ومن يقف وراءه خسر الحرب على غزة، فالخسارة شملت هيبة وسمعة الكيان المحتل داخل الكيان وإقليمياً ودولياً، وخسر جيش الاحتلال الآلاف من القتلى من الجنود والضباط، وخسر الاحتلال عسكرياً وأمنياً، وتراجع اقتصاد الكيان الصهيوني، وخسر الكيان المحتل استقراره السياسي والاجتماعي، وخسر الصهاينة مخططاتهم لتهجير الشعب الفلسطيني، وخسر الكيان المحتل سعيه لطمس ودفن القضية الفلسطينية التي عادت للواجهة بشكل كبير جداً، وخسر الكيان المحتل مساعيه للتوسع سياسياً بالتطبيع مع عدد من الدول العربية، واتفاقية وقف العدوان الأخيرة كان الخاسر الأكبر فيها هو الاحتلال الصهيوني، حيث لم يحقق المحتل الصهيوني أهدافه المعلنة سابقاً، والمقاومة حققت انتصارا كبيرا لها، وتلك الخسارات وغيرها تعطي مؤشرا لأصحاب العقول والقلوب الحية بأن جولة غزة وطوفان الأقصى ما هما إلا مرحلة أثبت فيها الشعب الفلسطيني ايمانه العميق، رغم التضحيات الكبيرة، بتحرير فلسطين وطرد المحتل من أراضيه وانه ماض في طريق المقاومة ونيل حريته.




