خاص الرقيب – دانية عبدالفتاح
في إحدى القرى الجنوبية لمدينة نابلس، تبرز قصة طالبة إعلام تعيش معاناة يومية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتها الجامعية، كوثر عوّاد في سنتها الأخيرة في جامعة النجاح الوطنية، لطالما حلمت بمستقبل أكاديمي مشرق وسعت للتميز في دراستها. لكن اليوم تجد نفسها مكبلة بعقدة الحواجز الإسرائيلية التي تقف بينها وبين جامعتها، فتجعل من أبسط حقوقها كطالبة رحلة يومية محفوفة بالمخاطر والمشقة.
“في الماضي كنت أستيقظ على أمل جديد كل يوم، أستعد لمحاضراتي بحماس وأخطط لوقتي بين الدراسة والتفاعل مع صديقاتي”، تقول كوثر بحنين إلى أيام لم تكن فيها الحواجز هاجساً يسيطر على حياتها. وتضيف “لكن الآن حياتي تدور حول رسالة تصلنا يومياً على قناة تيليجرام ‘عورتا سالكة للداخل، وأزمة كبيرة للخارج’. أصبحت الحواجز كابوسي اليومي، ولم يعد يشغل بالي امتحاني أو محاضراتي، بل هل سأصل إلى الجامعة في الوقت؟ وهل سأعود إلى منزلي بأمان؟”.
كوثر تحتاج في الظروف الطبيعية إلى نحو 40 دقيقة للوصول إلى حاجز عورتا، ثم حوالي ساعة للوصول إلى نابلس، ولكن في أيام الإغلاقات يتحول هذا الزمن إلى ساعات طويلة قد تصل إلى خمس ساعات وأكثر، تقضيها في الانتظار والتوتر على الحواجز “أشعر بالحزن والخوف والقلق يومياً، لا أعرف إن كنت سأعبر الحاجز أم سأتعرض للتأخير أو حتى التفتيش المهين، أفكر دائماً هل سيتم تفتيش هاتفي؟ أو ربما اعتقالي بشكل تعسفي؟”.
حول مدينة نابلس كبرى مدن شمال الضفة الغربية، يُحكم الاحتلال قبضته عبر 10 حواجز عسكرية ثابتة وأخرى متنقلة، إضافة إلى ما يزيد عن 20 بوابة حديدية تعزل عشرات القرى في المحافظة وتغلقها.
وتزداد خطورة هذه الحواجز العسكرية مع سيطرتها التامة على حركة الفلسطينيين، يغلق الاحتلال الطرق الالتفافية والفرعية بين المدن والقرى مجبراً السكان على المرور عبر حواجزه فقط ليحولها إلى نقاط تفتيش أشبه بالكمائن، وعند هذه الحواجز يواجه الفلسطينيون مخاطر الاعتقال أو حتى القتل، مما يجعل التنقل اليومي رحلة محفوفة بالمخاطر.
تروي كوثر موقفاً لا يُنسى عند حاجز المربعة “في إحدى المرات أوقف الجنود الباص الذي كنت فيه وأجبرونا على النزول تحت ذريعة التفتيش، استمر التفتيش لمدة ساعة حيث فتشوا حقائبنا وهواتفنا، وأبقونا واقفين أمامهم وأسلحتهم مصوبة نحونا. كانت لحظات مرعبة شعرت فيها بالعجز والخوف على حياتي”.
هذه الظروف القاسية لم تؤثر فقط على وقت كوثر، بل امتدت لتؤثر على تحصيلها الدراسي ونفسيتها، “قدمت الكثير من الامتحانات دون تركيز بسبب التأخير، وأحياناً اضطرت إلى تأجيل امتحانات أو التغيب عنها تماماً، لم أعد أجد وقتاً لدراسة المواد الأساسية، ناهيك عن قراءة مواد إضافية لتطوير نفسي، أصبحت حياتي الأكاديمية محدودة بما يسمح به الاحتلال”.
كوثر التي كانت تحب الأنشطة الطلابية والمشاركة في الورشات والفعاليات، باتت اليوم ترفض المشاركة خوفاً من بُعد المكان وما قد تواجهه على الطريق، “كان حلمي أن أستغل كل فرصة لتطوير نفسي، لكن الآن كل شيء أصبح بعيداً بسبب الحواجز”.
تحت ذريعة فرض الأمن، تواصل إسرائيل ممارسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، من خلال إقامة أكثر من 800 حاجز عسكري ثابت، بالإضافة إلى الحواجز المفاجئة، تتنوع هذه الحواجز بين السواتر الحجرية والترابية إلى جانب نحو 150 بوابة حديدية عسكرية تُحكم إغلاق التجمعات السكنية، فتقيد حركة الفلسطينيين وتحبسهم خلفها، وكلها بغرض “تمزيق وعزل المناطق والرقابة العسكرية والسيطرة أكثر منها لحفظ أمن الاحتلال”.
وفي حياة الفلسطينيين اليومية لا سيما من يتنقلون عبر الطرق الخارجية، تحتل الحواجز العسكرية موقعاً بارزاً يتداولون عبر منصات التواصل أو مجموعات خاصة تحديثات عن حالة الحواجز، حيث تشير العلامة الحمراء إلى أن الحاجز مغلق، بينما تُظهر العلامة الخضراء أن الحاجز “سالك” ومفتوح.
الضغوط المالية عبء آخر يثقل كاهل الطلاب
لم تقتصر معاناة كوثر عوّاد على التحديات الأمنية والنفسية الناتجة عن الحواجز العسكرية، بل امتدت لتشمل أعباء مالية تفاقمت بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات. مع زيادة الأسعار الخيالية، أصبح الطلاب مجبرين على دفع أضعاف ما كانوا يدفعونه سابقاً. “كنا ندفع 9 شيكل للوصول إلى الجامعة، أما الآن فقد أصبحنا ندفع 15 أو حتى 20 شيكلاً، وفي بعض الحالات تصل أجرة التنقل إلى 25 شيكلاً إذا اضطررنا إلى تغيير المسار أو استخدام سيارات خاصة بسبب الإغلاقات”.
توضح كوثر أن هذا الارتفاع يعني إضافة أكثر من 50 شيكلاً يومياً على مصروفها، مما يصل في نهاية الشهر إلى ما يزيد عن ألف شيكل، وهو مبلغ يُثقل كاهل الطلاب الذين يعتمدون غالباً على دعم أسرهم ذات الدخل المحدود. “الآن، بدل أن أركز على دراستي، أجد نفسي أفكر يومياً كيف سأغطي تكاليف المواصلات، وكيف سأوزع مصروفي الشهري بين أجرة التنقل والاحتياجات الأخرى”.
تضيف هذه الضغوط المالية طبقة أخرى من المعاناة على الطلاب الفلسطينيين، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية. هذا الواقع المعقد يحول السعي وراء التعليم إلى عبء يتطلب جهدا غير عادي وتضحيات لا هوادة فيها. بالنسبة لأكثر من 30,000 طالب في جامعات وكليات نابلس – 25,000 منهم يدرسون في جامعة النجاح الوطنية وحدها – فإن هذا النضال اليومي ليس قصة كوثر فقط. إنه الواقع المشترك لجيل يسعى جاهدا لبناء مستقبله رغم كل الصعاب.
في رسالة إلى العالم، تقول كوثر “نحن في الضفة الغربية نعيش في سجن حقيقي، لقد خنقنا الاحتلال حتى في بلادنا، لا أريد شيئاً سوى العيش في وطن حر، بلا حواجز ولا خوف ولا قلق”.
كوثر عوّاد هي واحدة من آلاف الطلاب الفلسطينيين الذين يعانون يومياً من سياسات الاحتلال. قصتها ليست استثناءً، بل صورة مصغرة لمعاناة جيل بأكمله جيل يحلم بمستقبل أفضل، لكنه يواجه قيود الاحتلال في كل خطوة يخطوها نحو تحقيق حلمه.




