“جلسة الغد تستحضر ملحمة 2017 للانتزاع الكامل لحرية الحركة”
خاص – الرقيب
تتجه أنظار الشارع الفلسطيني، ومؤسسات القطاع الخاص، والأوساط الدبلوماسية والقانونية غداً الاثنين، نحو قاعة محكمة “العدل العليا” في القدس المحتلة، في خطوة هي الأولى من نوعها في التاريخ القانوني الحديث لملف حرية الحركة في فلسطين.
فالأمر لا يتعلق هذه المرة برهان سياسي أو مفاوضات بروتوكولية، بل بمواجهة قانونية ومرافعة حقوقية وقضائية يقودها امين سر المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص الفلسطيني نصار نصار، لتشريح السلوك الإداري والتجريفي الممارس على معبر الكرامة (اللنبي)، ومطالبة القضاء بإلزام السلطات الاسراءيلية بالعمل بتنفيذ التشغيل الكامل للمعبر على مدار 24 ساعة دون قيد أو شرط.
تكتسب جلسة غداً بعداً استراتيجياً وتاريخياً فارقاً، لكونها سابقة قانونية، حيث تُشكل خط الدفاع الأول والشرعي عن الحق في التنقل، وتفتح المواجهة الحقوقية على مصراعيها في لحظة فارقة يعاني فيها المواطن والاقتصاد الفلسطيني من خنق وتضييق غير مسبوقين.
إن التحرك الشعبي وتحرك القطاع الخاص الفلسطيني غداً يمثل تحولاً جوهرياً في فلسفة النضال المطلبي؛ حيث ينتقل المجتمع المدني ومؤسسات الأعمال من موقع “الشكوى واستنزاف الخسائر” إلى موقع “الاشتباك القانوني”.
القطاع الخاص الذي غدا يرى في تقييد الحركة حرباً غير معلنة على المقومات الأساسية للاقتصاد الوطني. وتأتي قيادة هذا الحراك القضائي لتعبر عن حشد مؤسسي متكامل تحت مظلة واحدة: “الحق في حركة حرة ومستدامة عبر المنفذ الدولي الوحيد لسكان الضفة الغربية المحتلة”.
تستند الدعوى المرفوعة إلى ترسانة من الحقوق المثبتة في القانون الدولي والاتفاقيات والمواثيق الإنسانية التي تضمن حرية الحركة للأفراد تحت الاحتلال، مع تسليط الضوء على حجم التمييز الجوهري وغير المبرر عند مقارنة معبر الكرامة بالمعابر البرية الأخرى في المنطقة، التي تعمل بساعات طويلة وتوفر حرية الحركة دون قيود وتعقيدات تمس حق الانسان الطبيعي.
الاستحصار التاريخي: الاستناد إلى إنجاز 2017 والبناء عليه

https://www.youtube.com/watch?v=ORxAfidYkts
لا تبدأ جلسة الغد من الفراغ، بل تتكئ على إرث نضالي ومطلبي صلب تحقَّق في العام 2017. ففي ذلك العام، وللمرة الأولى في تاريخ المعبر الحديث، نجحت الجهود الشعبية والمؤسسية بقيادة “حملة بكرامة” وبعد 8 سنوات متواصلة من العمل الدؤوب والمطالبة الحثيثة، في فتح المعبر على مدار 24 ساعة خلال فترة الصيف.
كان إنجاز عام 2017 بمثابة برهان قاطع يثبت حقائق ثلاث لا يمكن دحضها:
1. القدرة التشغيلية الواقعية: أن المعبر قادر فنياً ولوجستياً على العمل المتواصل متى ما توافرت الإرادة وسقطت الذرائع الإدارية.
2. الحاجة الملحّة والحجم الحقيقي للطلب: أن فتح المعبر 24 ساعة انعكس فوراً على عبور أكثر من مليوني مسافر سنويا بسلاسة، ودون أزمات واكتظاظ.
3. كسر المقولات المضللة: أن تراجع أعداد المسافرين وحجم التبادل التجاري في السنوات الأخيرة ليس ناتجاً عن تراجع الحاجة إلى السفر أو الشحن، بل هو نتيجة مباشرة للقيود التي حوّلت الحركة والتجارة إلى رحلة شاقة ومكلفة.
إن البناء على تجربة 2017 ونتائج “حملة بكرامة” في مرافعة الغد أمام المحكمة يمنح الجبهة الحقوقية قوة مضاعفة؛ فالإمكانية قد أُثبتت سابقاً، والسابقة التشغيلية قد أُسست بالفعل، وما يُطالب به اليوم هو استعادة وتثبيت هذا الحق بشكل دائم وشامل يغطي حركة الأفراد والبضائع على مدار الساعة بكفاءة عالية.
اهتمام دولي ودبلوماسي واسع
لن تكون قاعة المحكمة في القدس غداً مجرد مسرح لسجال قانوني عابر، بل ستكون محط أنظار المجتمع الدولي؛ إذ يتوقع حضور مكثف وشامل يضم:
- قيادات ورجال أعمال فلسطينيين يمثلون مختلف القطاعات الصناعية، والتجارية، والخدماتية وغبرها…
- وسائل إعلام عربية وأجنبية: لتغطية ونقل هذا الحدث القانوني التاريخي والوقوف على تفاصيل الملف.
- ممثلي سفارات وقنصليات دولية في رام الله لمتابعة مجريات الجلسة
هذا الحضور الدولي والدبلوماسي المكثف يحمل رسالة شديدة الوضوح: إن قضية معبر الكرامة لم تعد شأناً محلياً محصوراً في أزمة مواعيد، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى احترام مبادئ حقوق الإنسان.
خنق المعبر التجاري: ضربة لقلب الاقتصاد الوطني
ولا ينفصل هذا التحرك القضائي المباشر عن أزمة الشحن والتبادل التجاري عبر المعبر؛ إذ إن معبر الكرامة ليس فقط منفذاً للمسافرين، بل هو الشريان التجاري البري الوحيد لتدفق البضائع والصادرات والواردات بين فلسطين والعالم الخارجي عبر الأردن.
إن سياسات البطء التشغيلي، والقيود الصارمة المفرطة، وتقليص ساعات استقبال الشاحنات، والتعطيل المستمر في ساحات التفتيش للشحن والتجارة، أدت إلى إحداث شلل شبه كامل في منظومة الإمداد والتوريد. هذا الخنق التجاري المتعمد تسبب في تكبيد الشركات الفلسطينية خسائر مالية فادحة نتيجة تلف العديد من البضائع، وارتفاع رسوم الأرضيات والانتظار، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين لأضعاف مضاعفة، مما انعكس سلباً على القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني وأدى إلى رفع الأسعار على المستهلك وتعميق حالة الركود الاقتصادي. ومن هنا فإن الالتماس المطروح غداً يُسلط الضوء بوضوح على أن فتح المعبر وتوسيع طاقته التشغيلية هو مطلب تجاري واقتصادي ملح لحماية الاستثمار والحد من تدمير القطاعات الإنتاجية.
رسالة القطاع الخاص والشارع الفلسطيني
تتلخص الفكرة الجوهرية لجلسة غداً في كشف ودحض الرواية الرسمية المضللة؛ فالادعاء بأن المعبر يعمل بكفاءة وبشكل يلبي الطلب هو ادعاء تصطدم به الأرقام والوقائع الاقتصادية والحياتية.
إن ما سيعرضه الفريق القانوني الممثل للقطاع الخاص غداً أمام المحكمة، مدعوماً بشهادات مؤسسات القطاع الخاص والاتحاد العام للصناعات، سيعيد وضع النقاط على الحروف: حرية التنقل والتبادل التجاري ليست مكرمة ولا خياراً إدارياً يخضع للمزاجية، بل هي حق أساسي أصيل كفلته كافة القوانين الشرعية والدولية.
إن جلسة الغد ليست مجرد شوط في أروقة المحاكم، بل هي بداية لمرحلة جديدة من انتزاع الحقوق عبر السبل القانونية المباشرة. وكما أثبتت “حملة بكرامة” في عام 2017 أن الإرادة والعمل المنظم قادران على كسر القيود وإحداث الفارق، فإن الحراك الشامل اليوم، وبحضور ومؤازرة دبلوماسية وإعلامية دولية، يعيد إحياء الأمل لدى أكثر من 3.5 مليون فلسطيني يطمحون إلى اليوم الذي تفتح فيه نافذة وطنهم الاقتصادية والحياتية على العالم دون قيود، ودون إذلال، ودون استغلال..



