بقلم :- إخلاص يوسف طمليه باحثة اقتصادية
ماذا بقي من الطبقة الوسطى في الضفة الغربية بعد عامين من الحرب، وثلاثة أعوام من حرمان عشرات آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، وست أعوام من الرواتب المجتزأة لموظفي القطاع العام، وغيرها من الأزمات المتصلة القديمة والمستحدثة التي زادت واستفحلت وأثرت وفي بعض الأحيان سحقت! هل ما زالت الطبقة الوسطى تمثل مساحة الأمان الاقتصادي والاجتماعي التي اعتمد عليها الفلسطينيون لعقود، أم أنها تحولت بصمتٍ إلى طبقة مستدينة مستنفذة لجميع الحلول وتحاول فقط النجاة من الانهيار؟ كيف يمكن لأسرة كانت تنفق كل ما تجنيه وحتى ما تدخره لتعليم أبنائها أن تراهم لا يجدون عملاً ولا يستطيعون تكوين أسرة؟
في هذا المقال لن أرصد مؤشرات ولا أرقام، فالقضية التي أود الحديث عنها أكبر من ان أختزلها في تراجع دخل، أو انخفاض أو حتى انعدام القدرة الشرائية؛ وإنما كتبت هذا المقال كشهادة على مرحلة خطيرة في الاقتصاد الفلسطيني تخلخلت فيها قواعد الحياة الاقتصادية التي اعتدناها حيث أصبح التعليم لا يضمن المستقبل والعمل لا يعني الكرامة، والتثبيت الوظيفي لا يعني الأمان، وقدرة العائلات على الادخار تتناسب عكسياً مع سنوات الخبرة؛ مما أدى إلى أفول الطبقة الوسطى.
لقد كشفت الحرب، وما رافقها من أزمات مالية واقتصادية متراكمة ومتراكبة، هشاشة النموذج الذي قامت عليه هذه الطبقة. فالأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، والاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وعدم انتظام صرف الرواتب، وتراجع فرص العمل داخل الخط الأخضر، وارتفاع البطالة، وتراجع النشاط التجاري والاستثماري، وارتفاع الأسعار، وأزمة السيولة والشيكات المرتجعة؛ كانت حلقات متصلة دفعت الأسر الفلسطينية إلى استهلاك مدخراتها بل وحتى مخزونها النفسي من الأمل.
خواء جيوب الآباء أمام براءة الطلبات
يبدأ أفول الطبقة الوسطى لحظة يتغيّر منطق اتخاذ القرار الاقتصادي داخل الأسرة. فهي لن تستيقظ صباحًا لتعلن أنها غادرت الطبقة الوسطى، بل يحدث التحول بصمت، من خلال سلسلة من القرارات الصغيرة التي تعيد تعريف أولوياتها. لا يرى الأقارب والجيران المشتريات التي أُجلت، أو الزيارات التي اعتُذر عنها، أو الأحلام التي أُعيد ترتيبها. هناك، في تفاصيل الحياة اليومية غير المرئية، تبدأ عملية الانحدار الحقيقي.
وما تزال كثير من هذه الأسر تتمسك بأداء واجباتها الاجتماعية، كتقديم “النقوط” عند حضور الأفراح أو الاحتفاء بنجاح الأبناء والأقارب، ولا يعلم أحد عن تغير خياراتها اليومية، وتراجع مستوى الإنفاق، بل وإعادة ترتيب جذرية لأولوياتهم.
كانت الأسرة المتوسطة الفلسطينية، رغم محدودية مواردها، تنظر إلى جزء من دخلها باعتباره استثمارًا في المستقبل؛ لتعليم الأبناء، تحسين السكن، الادخار، شراء أصل، أو حتى الإنفاق على الترفيه باعتباره جزءًا من جودة الحياة. أما اليوم، فقد انكمشت مساحة الاختيار لدى رب الأسرة أو المعيل. فأصبحت الأسر تفكر بما يمكن الاستغناء عنه دون أن ينهار توازنها.
يبدأ التقليص من البنود الأكثر مرونة؛ السفر، المطاعم، الترفيه، ثم يمتد إلى التعليم الخاص، والدورات التدريبية، والرعاية الصحية الوقائية من رياضة ومكملات، قبل أن يصل في كثير من الحالات للأسف إلى نوعية الغذاء بل وكميته.
ولم يعد أثر الأزمات محصورًا بمن تعرضوا لها مباشرة؛ فقد تسلل عدم اليقين إلى الفئات التي كانت تُعد الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. فالطبيب، والمهندس، والتاجر، لم يعودوا بمنأى عن إعادة ترتيب أولوياتهم الاقتصادية؛ وباتوا يعيدون صياغة قراراتهم المالية وفق منطق جديد تحكمه درجة أعلى من الحذر وعدم اليقين؛ كلٌّ بحسب موقعه وقدرته، لكن الجميع يتحرك داخل ذات منطق إدارة المخاطر بدل التخطيط للغد.
الدين كنمط حياة باقٍ.. ويتمدد.. ثم يتجدد
لطالما كان الادخار أحد أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصادي للطبقة الوسطى؛ فهو المساحة التي تمنح الأسرة قدرة على مواجهة الصدمات، وتمنحها هامشًا لاتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط اليومية. لكن الأزمات المتراكمة خلال السنوات الماضية استنزفت هذا الهامش تدريجيًا. فالمدخرات التي كانت مخصصة لتحسين المستقبل أصبحت تُستهلك للحفاظ على الحاضر، وما كان يُعد احتياطًا للطوارئ تحول إلى مصدر تمويل للحياة اليومية.
هذا التحول يعكس أزمة أعمق من مجرد ارتفاع حجم المديونية؛ فهو يشير إلى اختلال العلاقة بين الدخل والاستهلاك. فعندما يصبح الراتب غير كافٍ لتغطية النفقات الأساسية، وعندما تتقدم الالتزامات الثابتة على قدرة الأسرة على الدفع، يصبح الاقتراض ضرورة لا بد منها.
وقد اتخذت هذه الظاهرة أشكالًا متعددة؛ من القروض البنكية، إلى الشراء الآجل، أو الاعتماد على شبكة العلاقات الاجتماعية، وتحرير شيكات أكثر من قيمة الدخل المتاح، ثم تغطية الشيكات بديون من شبكة علاقات اجتماعية أخرى ثم تحرير الكمبيالات. وأخطر ما في التحول إلى الاستدانة هو أثره على قدرة المجتمع على التعافي. فالأسرة المثقلة بالديون لا تملك مساحة لتحسين وضعها الاقتصادي؛ لأن جزءًا متزايدًا من دخلها المستقبلي أصبح محجوزًا من الآن لتسديد التزامات سابقة. وهكذا يتحول الدين من حل مؤقت إلى قيد طويل الأمد.
الاقتصاد النفسي للأسر الفلسطينية
كيف يمكن لرب الأسرة أن يخطط ماليًا في بيئة أصبح فيها الغد محاطاً بالمخاوف والاشاعات؟ فالتخطيط المالي يفترض حدًا أدنى من اليقين؛ من ثلاث نواح رئيسية وهل الدخل، وتوفر أو انقطاع المواد الأساسية وما يتبعه من تغير أسعارها، والتزامات يمكن تقديرها. ولكن حين يصبح عدم الاستقرار هو القاعدة، وتتحول الأخبار المتداولة والإشاعات حول نقص المواد الأساسية أو ارتفاع الأسعار إلى عوامل تؤثر مباشرة في سلوك الأسر، فإن القلق يصبح أساس القرار الاقتصادي.
خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا بعد الحرب، لم تعد قرارات الأسر الفلسطينية تُتخذ فقط وفق منطق الحاجة أو القدرة، بل وفق منطق الخوف من المجهول. فالمشكلة لا تتمثل في أن الأسر أصبحت أقل قدرة على الإنفاق، بل في أنها أصبحت أقل قدرة على التخطيط. فالقرار الاقتصادي الذي تحكمه الثقة يختلف جذريًا عن القرار الذي يحكمه القلق. في الحالة الأولى، يفكر الفرد في الاستثمار والتوسع وتحسين المستقبل؛ أما في الحالة الثانية، فإنه ينشغل بتقليل المخاطر وتأجيل الالتزامات وحماية ما تبقى.
ولهذا فإن اقتصاد الخوف لا يظهر فقط في انخفاض الاستهلاك، بل في تراجع الاستعداد للمبادرة. فالشاب الذي يؤجل تأسيس مشروعه لا يفعل ذلك دائمًا بسبب نقص التمويل فقط، بل بسبب غياب اليقين حول جدوى المحاولة. والأسرة التي تؤجل شراء منزل أو الاستثمار في تعليم أبنائها لا تتخذ قرارًا ماليًا بحتًا، بل تستجيب لشعور متزايد بأن المستقبل لم يعد مكافأة متوقعة للجهد.
إن الطبقة الوسطى لا تقوم فقط على مستوى دخل معين، بل على إيمان اجتماعي بأن العمل والجدية والتعليم يمكن أن تقود إلى تحسن تدريجي في المكانة الاقتصادية. وعندما يتآكل هذا الإيمان، يبدأ التفكك الحقيقي. ولعل أخطر ما تفعله الأزمات الممتدة أنها تجعل الاستثناء قاعدة. فالأسرة التي كانت تعتبر الاستدانة علامة على أزمة، قد تراها اليوم جزءًا طبيعيًا من إدارة الحياة.
وهنا يكمن التحول الأعمق؛ عندما يعيد الناس تشكيل الوعي تجاه إمكاناتهم. وحين يصبح أقصى الطموح هو الحفاظ على الموجود، يكون المجتمع قد انتقل من اقتصاد يقوم على الأمل والارتقاء والمبادرة والابداع إلى اقتصاد يقوم على المخاوف.
خاتمة
ليست الأزمات الاقتصادية خطيرة فقط بما تسببه لحظة وقوعها، بل بما تتركه بعد أن تصبح جزءًا من المشهد اليومي. فالخطر الأكبر لا يكمن دائمًا في الصدمة الأولى، بل في قدرة المجتمع على التكيف معها إلى درجة فقدان الإحساس بكونها أزمة. وعندما يعتاد الناس على مستوى متراجع من المعيشة، تصبح الأزمة جزء من الحياة الطبيعية.
خلال السنوات الماضية، لم يواجه الاقتصاد الفلسطيني أزمة واحدة يمكن تجاوزها ثم العودة إلى المسار السابق، بل سلسلة متراكمة من الأزمات التي أعادت كل واحدة منها تعريف حدود الممكن. أزمة مالية تتبعها أزمة سيولة، ثم أزمة في سوق العمل، ثم ارتفاع في الأسعار، ثم تراجع في القدرة الشرائية، ثم أزمة جديدة تجعل ما سبقها يبدو أقل حدة. وهكذا لا تتراكم الأزمات فقط، بل تتراكم معها قدرة المجتمع على الاحتمال، حتى يصبح التراجع نفسه جزءًا من “الوضع الطبيعي”.
وهنا يمكن فهم لماذا تتفاقم الأزمات حين نعتاد سابقاتها. فالاعتياد لا يعني أن الأزمة انتهت، بل يعني أن سقف التوقعات انخفض. ما كان يُعد سابقًا مؤشرًا على تدهور اقتصادي يصبح مقبولًا، وما كان يُنظر إليه كحل مؤقت يتحول إلى نمط حياة. وفي هذه اللحظة تحديدًا تصبح الأزمة أكثر خطورة؛ لأنها لا تعود تواجه مقاومة اجتماعية واضحة، بل تصبح جزءًا من المألوف.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اقتصاد ليس فقط فقدان الموارد، بل فقدان القدرة على تخيل التعافي. فالمجتمعات التي تمر بأزمات مؤقتة تحافظ عادة على فكرة العودة إلى الوضع الطبيعي، أما المجتمعات التي تتعرض لأزمات ممتدة فتبدأ بإعادة تعريف الطبيعي نفسه.
ولهذا فإن أفول الطبقة الوسطى الفلسطينية لا يرتبط فقط بما فقدته من دخل أو مدخرات، بل بما فقدته من يقين بأن الغد يمكن أن يكون أفضل. فالأزمة الاقتصادية الكبرى هي التي تجعل الفلسطيني يتوقف عن الاعتقاد بأن جهوده قادرة على تغيير واقعه.



