د. سعيد صبري – مستشار اقتصادي دولي – وعضو مجلس التحول الرقمي الدولي
عندما تعلن نقابات الأطباء والمهندسين والأكاديميين الإضراب المتزامن، فهذا ليس مجرد حراك نقابي تقليدي للمطالبة بحقوق وظيفية، بل هو جرس إنذار يدق في قلب الاقتصاد الفلسطيني. هؤلاء يمثلون النخبة المهنية وقمة هرم قطاع الخدمات، الشريحة التي طالما اعتُبرت الأكثر استقراراً وأماناً في مجتمعنا. أن تصل الأزمة إلى هذه النخبة وتدفعها للشارع، فهذا يعني أن الانهيار لم يعد يقتصر على واجهات المحلات المغلقة في أسواق رام الله ونابلس، أو المطاعم الخاوية في الخليل وجنين؛ بل امتد ليضرب العمود الفقري الأكاديمي والمهني للمجتمع. إنها الأعراض السريرية لانهيار أكبر وأخطر قطاع في الاقتصاد الفلسطيني: قطاع الخدمات.
لأكثر من عقدين من الزمن، عاش الاقتصاد الفلسطيني حالة من “الرفاهية الخادعة”، مبنية على هيكل اقتصادي مشوه يفتقر إلى أسس الاستدامة. فقد أظهرت البيانات الرسمية المشتركة للجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد الفلسطينية في حصاد عام 2025 حقيقة صادمة: قطاع الخدمات يشكل نحو 60% من إجمالي الاقتصاد الفلسطيني، في حين لا تتجاوز مساهمة القطاعات الإنتاجية الحقيقية (كالزراعة والصناعة) الداعمة للنمو حاجز الـ 19%. هذا الخلل الهيكلي العميق يعني أننا بنينا اقتصاداً ريعياً استهلاكياً بامتياز، يعيش على تقديم الخدمات وتدوير الأموال في دورة مغلقة، بدلاً من إنتاج السلع وخلق القيمة المضافة التي تحصن الاقتصاد ضد الصدمات.
لقد اعتمد هذا القطاع الخدماتي الضخم على ثلاث رافعات مالية أساسية: رواتب الموظفين الحكوميين التي تضخ شهرياً في الأسواق، وأجور العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر التي كانت تمثل محركاً رئيسياً للسيولة، وتحويلات المغتربين والمنح الدولية التي تسد الفجوات. وعندما اندلعت أزمة ما بعد أكتوبر 2023، انهارت هذه الرافعات الثلاث في وقت واحد وبشكل غير مسبوق. فقد توقفت تصاريح عشرات الآلاف من العمال، وتراجعت قيمة تحويلات المغتربين بفعل الارتفاع القياسي في قوة الشيكل مقابل الدولار، وتقلصت القدرة الشرائية للموظفين الحكوميين بشكل حاد بسبب الأزمات المالية المتعاقبة للسلطة الفلسطينية واقتطاعات أموال المقاصة.
هذه الأزمة المالية الحكومية لم تضرب الموظفين فحسب، بل امتدت لتخنق القطاع الخاص ومقدمي الخدمات الأساسية. فالأرقام الحديثة تشير إلى أن ديون الحكومة المتراكمة لصالح القطاع الصحي (بما يشمل المستشفيات الأهلية والخاصة وموردي الأدوية) بلغت نحو 4.2 مليار شيكل، مما دفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار وعجز عن توفير الأدوية الأساسية. وفي قطاع الإنشاءات، تراكمت الديون لصالح المقاولين والمهندسين لتبلغ مئات الملايين من الدولارات، مما أدى إلى تعثر مئات الشركات وتوقف المشاريع الحيوية. والنتيجة الحتمية؟ تبخرت السيولة النقدية من الأسواق، ووجد قطاع الخدمات نفسه كسمكة أُخرجت فجأة من الماء، يختنق ببطء تحت وطأة الديون وانعدام السيولة.
وتعكس الأرقام الرسمية لعام 2025 عمق المأساة؛ فقد سجل الاستهلاك الكلي تراجعاً مخيفاً بنسبة 24% (12% في الضفة و81% في غزة). هذا التراجع الحاد وجه ضربة قاصمة لقطاع الخدمات والتجارة. فالمطاعم، والمقاهي، ومحلات الملابس، وشركات النقل؛ جميعها تعاني من ركود غير مسبوق يلامس حد الشلل التام. وأصبح أصحاب هذه المهن الحرة هم الضحية الصامتة التي تدفع الثمن الأكبر يومياً من مدخراتها وتراكم الديون عليها.
المشكلة الجوهرية في انهيار قطاع الخدمات أنه يخلق “تأثيراً مضاعفاً” (Multiplier Effect) سلبياً وعميقاً يمتد كالسرطان في جسد الاقتصاد. فعندما يُغلق مطعم أبوابه، هو لا يسرح عماله ويقطع أرزاقهم فحسب، بل يتوقف عن شراء الخضار من المزارع المحلي، واللحوم من الملحمة المجاورة، ويتعثر في دفع إيجار العقار لمالكه، ويعجز عن سداد أقساط قرضه للبنك، ويتوقف عن دفع الضرائب والرسوم للبلديات. هذه السلسلة المتشابكة والمعقدة من التعثرات تهدد بانتقال العدوى من قطاع الخدمات الهش إلى القطاع المصرفي (الذي يواجه أزمة قروض متعثرة) والقطاع العقاري (الذي يواجه ركوداً في التأجير والبيع)، مما ينذر بشلل اقتصادي شامل يصعب التعافي منه لسنوات.
هذا الانهيار المروع، على قسوته ومرارته، يضعنا أمام سؤال مصيري لم نجرؤ على طرحه بوضوح طوال السنوات الماضية: هل كان اقتصادنا حقيقياً أم مجرد سوق استهلاكي ضخم يعيش على الإبر المخدرة والمسكنات المؤقتة؟ لقد أثبتت الأزمة الراهنة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاقتصاد الذي لا يزرع ما يأكل ولا يصنع ما يلبس، هو اقتصاد هش تذروه الرياح عند أول صدمة سياسية أو أمنية. الاعتماد المفرط على الخدمات والتجارة الاستهلاكية جعلنا رهينة لقرارات الاحتلال المتعلقة بأموال المقاصة وتصاريح العمل، ورهينة للمنح الخارجية التي تتأثر بالمزاج السياسي الدولي.
إن الاستمرار في محاولة إنعاش هذا النموذج الاقتصادي المشوه بنفس الأدوات القديمة هو بمثابة إعطاء مسكنات لمريض يحتاج إلى تدخل جراحي عاجل لاستئصال الورم. قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار التام الذي قد يُفرغ مدننا من نشاطها التجاري ويحولها إلى مدن أشباح اقتصادية، يجب علينا اتخاذ خطوات جذرية، شجاعة، ومؤلمة لكنها ضرورية للنجاة.
أولاً، يجب إعادة توجيه بوصلة التسهيلات الائتمانية والتمويلية من البنوك وصناديق الاستثمار بشكل إلزامي نحو القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، والتكنولوجيا المتقدمة) بدلاً من القروض الاستهلاكية وقروض السيارات الفارهة التي غذت قطاع الخدمات لسنوات وراكمت الديون على المواطنين.
ثانياً، على الحكومة بالشراكة مع القطاع الخاص إطلاق برامج طوارئ فورية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع الخدمات لمنع إفلاسها، ليس بهدف إعادتها لنمط الاستهلاك المفرط السابق، بل لمساعدتها على التكيف، والتحول الرقمي لتقليل النفقات التشغيلية، والاندماج لخلق كيانات أقوى قادرة على الصمود.
ثالثاً، يجب استثمار الكفاءات البشرية المعطلة (وخاصة مئات الآلاف من الخريجين الجامعيين والعمال العائدين من الخط الأخضر) في مشاريع زراعية وصناعية تعاونية تخلق أمناً غذائياً واكتفاءً ذاتياً، لتقليل فاتورة الواردات التي تبتلع أكثر من 7 مليارات دولار سنوياً وتستنزف عملتنا الصعبة.
إن انهيار قطاع الخدمات اليوم ليس مجرد أزمة عابرة ستنتهي بانتهاء الحرب، بل هو إعلان وفاة رسمي لا رجعة فيه لنموذج “الاقتصاد الريعي” الفلسطيني. التحدي الحقيقي أمامنا الآن ليس في كيفية إعادة فتح المحلات المغلقة فحسب، بل في كيفية اغتنام هذه الأزمة لإعادة بناء اقتصاد وطني مقاوم وحقيقي، جذوره تضرب في الأرض عبر الزراعة، وأعمدته ترتفع في المصانع، وعيونه تتطلع نحو المستقبل عبر التكنولوجيا، بدلاً من اقتصاد يعيش على هامش الاستهلاك وينتظر الفرج من تصريح عمل أو حوالة خارجية. السياسة.
إن هذه اللحظة التاريخية الفارقة تتطلب من صانع القرار الفلسطيني، والمستثمر، والمواطن على حد سواء، أن يدركوا أن قواعد اللعبة الاقتصادية قد تغيرت إلى الأبد. فإما أن نبني اقتصاداً نتحكم في مدخلاته ومخرجاته، أو نبقى أسرى لنموذج استهلاكي ينهار عند أول اختبار حقيقي. الخيار لنا، والوقت ليس في صالحنا.




