خاص الرقيب
أكد الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) إسلام الصوص أن الاقتصاد الفلسطيني واصل خلال عام 2025 مساره المتعثر رغم إعلان وقف إطلاق النار في الربع الأخير من العام، محذراً من أن استمرار الأزمة المالية الحكومية والقيود الإسرائيلية المتصاعدة يحدّان من فرص التعافي الحقيقي ويعمّقان الاختلالات الهيكلية القائمة.
جاء ذلك خلال مقابلة على أثير الرقيب، تناولت نتائج العدد 84 من “المراقب الاقتصادي” الصادر عن معهد “ماس” تحت عنوان “2025: لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد”، والذي استعرض التطورات الاقتصادية والمالية والاجتماعية خلال العام الماضي.
وقال الصوص إن التقرير، الذي يصدر بشكل ربعي منذ نحو 25 عاماً، يهدف إلى رصد التحولات الاقتصادية وتقديم قراءة علمية للمؤشرات الأساسية، مشيراً إلى أن الاقتصاد الفلسطيني كان يعاني أصلاً من مشاكل بنيوية واختلالات هيكلية قبل الحرب، ما جعله غير قادر على خلق فرص عمل كافية أو تحقيق معدلات نمو مستدامة.
وأضاف أن الحرب والأزمة المالية الخانقة وتشديد القيود على الحركة والتنقل داخل الضفة الغربية فاقمت الأوضاع الاقتصادية، موضحاً أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى “مزيد من تكبيل النشاط الاقتصادي وتعميق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المحلي وانحسار دخل شريحة واسعة من المواطنين”.
نمو محدود وتعافٍ دون مستويات ما قبل الحرب
ووفقاً للتقرير، سجل الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني نمواً بنسبة 4.3% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 12.46 مليار دولار، إلا أن هذا التحسن ما زال دون مستويات ما قبل الحرب، وسط استمرار التداعيات السلبية على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية بلغ 28.7% خلال عام 2025، بينما وصل متوسط الأجر اليومي للعاملين إلى 136.5 شيكلاً، في حين بلغت نسبة العاملين بأجر الذين يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور نحو 16%.
وأوضح الصوص أن أحد العوامل الرئيسية التي كانت تسهم سابقاً في خفض البطالة تمثل في العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل، إلا أن تراجع فرص العمل هناك بعد الحرب انعكس بشكل مباشر على سوق العمل الفلسطيني، في وقت لم يتمكن الاقتصاد المحلي من استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
أزمة مالية خانقة وانكماش في الطلب
وحول الأزمة المالية، وصف الصوص الوضع بأنه “حلقة مفرغة” تؤثر على مختلف مفاصل الاقتصاد، موضحاً أن عدم قدرة الحكومة على دفع أكثر من 50 إلى 60% من رواتب موظفي القطاع العام يؤدي إلى تراجع الطلب المحلي، الأمر الذي ينعكس بدوره على الإنتاج والنشاط الاقتصادي.
وبحسب بيانات التقرير، بلغ صافي الإيرادات العامة والمنح خلال عام 2025 نحو 11.2 مليار شيكل، مقابل 11.7 مليار شيكل في العام السابق، فيما انخفضت النفقات العامة بنسبة 10.2% لتصل إلى 12.9 مليار شيكل. كما بلغ العجز الكلي قبل المنح والمساعدات نحو 3.6 مليار شيكل.
ورغم ذلك، أشار التقرير إلى أن هذه الأرقام لا تعكس بالكامل حقيقة الوضع المالي للحكومة بسبب الاقتطاعات والحجوزات الإسرائيلية على أموال المقاصة، إذ وصلت الالتزامات المالية المستحقة إلى نحو 18.8 مليار شيكل، فيما ارتفع الدين العام إلى 4.8 مليار دولار.
وأكد الصوص أن الأزمات المالية بهذا الحجم تتطلب عادة تدخلات تحفيزية وضخ أموال في السوق، إلا أن محدودية الموارد الحكومية تحول دون تنفيذ برامج دعم واسعة للاقتصاد أو القطاعات الإنتاجية.
أرباح المصارف تثير التساؤلات
وتطرق التقرير إلى أداء القطاع المصرفي الذي سجل نمواً ملحوظاً خلال عام 2025، حيث ارتفعت التسهيلات الائتمانية بنسبة 5.4% لتصل إلى 12.6 مليار دولار، كما ارتفعت ودائع العملاء بنسبة 16.4% لتبلغ نحو 21.9 مليار دولار.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت أرباح المصارف إلى 132.8 مليون دولار مقارنة بـ43.1 مليون دولار في العام السابق.
ورداً على التساؤلات المتعلقة بارتفاع أرباح المصارف في ظل التراجع الاقتصادي العام، أشار الصوص إلى أن العمولات والفوائد وترشيد النفقات التشغيلية أسهمت في تحقيق هذه النتائج، مؤكداً أن القطاع المصرفي حافظ تاريخياً على مستويات مرتفعة من المتانة والالتزام بالمعايير الرقابية.
تضخم مرتفع وتراجع القوة الشرائية
وبيّن التقرير أن معدل التضخم في الأراضي الفلسطينية ارتفع بنسبة 10.5% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية بالنسبة نفسها تقريباً لمن يتقاضون دخولهم بالشيكل.
أما أصحاب الدخول بالدولار أو الدينار، فقد تراجعت قوتهم الشرائية بنحو 17.3% نتيجة انخفاض سعر صرف الدولار أمام الشيكل بنسبة 6.8% إلى جانب ارتفاع الأسعار.
وأكد الصوص أن هذه التطورات تنعكس مباشرة على مستويات المعيشة والفقر، خاصة في ظل ضعف الأجور واستمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر الفلسطينية.
دعوات لتعزيز القطاعات الإنتاجية
وفي معرض حديثه عن الدروس المستفادة من الأزمة، شدد الصوص على ضرورة تعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود أمام الصدمات من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة.
وقال إن التوسع في الأنشطة التجارية والخدمية خلال السنوات الماضية جاء على حساب الإنتاج المحلي، ما زاد الاعتماد على الواردات وجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الأزمات.
وأضاف أن المرحلة الحالية تبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية تركز على توسيع القاعدة الإنتاجية المحلية وتعزيز الاكتفاء النسبي، بما يسهم في رفع قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات المستقبلية وتقليل مستويات التبعية الاقتصادية.
وختم بالتأكيد على أن المؤشرات الاقتصادية التي رصدها تقرير “ماس” تمثل أداة مهمة لصناع القرار والقطاع الخاص والمستثمرين لفهم اتجاهات الاقتصاد الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة واتخاذ قرارات أكثر استناداً إلى المعطيات والحقائق الاقتصادية.




