القدس العربي:
تدخل عملية «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» أسبوعها الثاني، وهي العملية العسكرية المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بدءاً من صباح 28 شباط/ فبراير الماضي، واستهدفت في ضرباتها الافتتاحية المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات رفيعة عسكرية في النظام الإيراني. ردت طهران باستهداف 12 دولة بالصواريخ أو المُسيَّرات، وفي مقدمها دول الخليج العربي، ولا سيما الكويت والإمارات وقطر والبحرين، والسعودية، وبنسبة أقل سلطنة عمان، تحت عنوان استهداف القواعد الأمريكية. تعمل دول الخليج العربي بمنظوماتها الدفاعية على التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي وصل عددها حتى صباح 6 آذار/مارس إلى 620 باليستيّ/جوال و1840 مُسيَّرة وطال بعضها منشآت مدنية.
حاذرت دول الخليج الانخراط في خطة الرئيس الأمريكي وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي شن حرب على إيران، حتى إنها أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها كمنصات للعمليات العسكرية، وسعت إلى العمل بقوة لخفض التصعيد قبل انفجاره، لكن ذلك لم يجنبها «التوريط» في الصراع.
تجاهل ترامب تحذيراتهم بأن الحرب ستكون ذات عواقب مدمّرة على المنطقة بأكملها.
تستهدف إيران دول الخليج لتحقيق سلسلة من الأهداف في سياق حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل: إيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة شاملة مع إيران لن تبقى محصورة جغرافياً داخل حدودها، بل ستطال شبكة المصالح والقواعد المرتبطة بخصومها في المنطقة؛ توسيع كلفة الحرب بنقل جزء منها إلى الفضاء الإقليمي، وتحميل واشنطن تكاليف اقتصادية وأمنية إضافية عبر تعطيل الحركة في الخليج من ممرات وموانئ ومنشآت الطاقة، وتعطيل مضيق هرمز لإغلاق 20% من النفط العالمي؛ الضغط على حلفاء أمريكا بتحويلهم «رهينة» للمواجهة، بما يجبرهم على ممارسة الضغط على واشنطن لوقف الحرب التي قد تفضي إلى انهيار النظام؛ الاستنزاف الاقتصادي وجعل الخليج يدخل إلى «المنطقة المضطربة».
ثمة قلق حقيقي من نفاد سريع لمخزون الدول المستهدفة من الصواريخ الاعتراضية، خصوصاً إذا طالت المواجهة وتحولت إلى حرب استنزاف. أظهرت الحرب الدائرة عدم وجود خطة أمريكية لحماية دول الخليج. ويرى محللون أن واشنطن وضعت في حساباتها بأن القوات الأمريكية وإسرائيل ستكون الأهداف الرئيسية للانتقام الإيراني، وأن الأمريكيين لم يتوقعوا أن يكون هناك هذا المستوى من التعرّض للخليج.
قبل أيام، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط طلبوا المساعدة من أوروبا، وحتى من أوكرانيا التي تمتلك خبرة في مواجهة طائرات «شاهد» الإيرانية، التي أطلقتها روسيا باتجاهها منذ بدء الحرب قبل أكثر من أربع سنوات. قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنهم سيقدمون المساعدة طالما لا يضعف ذلك دفاعات بلاده الخاصة.
وبحسب مسؤول أمريكي مطلّع على الوضع الأمني الأمريكي في منطقة الخليج، فإن الولايات المتحدة لا تملك قدرات واسعة النطاق عبر منطقة الخليج لمواجهة فعالة لموجات الطائرات المسيرة المفخخة ذات الاتجاه الواحد التي تأتي إلى أماكن خارج الأهداف التقليدية أو القواعد الأمريكية خارج العراق وسوريا.
دول أوروبية رئيسية بدأت تنخرط بدرجات متفاوتة في دعم البنية الدفاعية لدول الخليج، في حين أعلنت دول أخرى نيتها تقديم مساعدات عسكرية أو لوجستية في إطار أوسع لحماية الاستقرار الإقليمي: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن بلاده ستعزز حضورها العسكري في المنطقة عبر إرسال تعزيزات عسكرية وإمكانات دفاعية إضافية، ولا سيما وسائل الدفاع الجوي والبحري، وذلك بهدف حماية القوات الفرنسية ومصالحها الاستراتيجية وضمان أمن شركائها الإقليميين، استناداً إلى الالتزامات الدفاعية لفرنسا بعدد من دول الخليج، في إشارة إلى الاتفاقيات الأمنية والتعاون العسكري القائم مع الكويت والإمارات وقطر، والتعاون الدفاعي المتنامي مع قبرص في شرق البحر المتوسط؛ رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أعربت عن نيتها إرسال مساعدات دفاع جوي ومنظومات مضادة للصواريخ إلى دول الخليج؛ بريطانيا اتخذت بالفعل خطوات عملية لتعزيز حضورها العسكري في المنطقة، حيث أرسلت مقاتلات «تايفون» إضافية إلى قطر، ونشرت مروحيات مضادة للطائرات المسيّرة في قبرص، إضافة إلى نشر مدمرة بحرية في البحر المتوسط؛ ألمانيا لم تعلن عن نشر قوات عسكرية مباشرة حتى الآن، لكنها أشارت إلى استعدادها لتقديم دعم دفاعي أو لوجستي لدول الخليج في ظل الهجمات الإيرانية، مع إقرار المسؤولين الألمان بوجود تحدٍ يتمثل في ضرورة الموازنة بين دعم الخليج واستمرار المساعدة العسكرية لأوكرانيا، ولا سيما في ظل النقص النسبي في منظومات الدفاع الجوي المتوافرة أوروبياً.
وليس التحرُّك الأوروبي في شقه المتعلق بحماية دول الخليج مجرد تعبير عن تضامن سياسي مع الحلفاء، بل يعكس إدراكاً متزايداً في العواصم الأوروبية بأن أمن الخليج أصبح جزءاً مباشراً من الأمن الاستراتيجي الأوروبي. فالقارة الأوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار طرق الطاقة القادمة من الخليج، سواء في إمدادات النفط أو الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً بعد تراجع الاعتماد على الطاقة الروسية في أعقاب الحرب في أوكرانيا. من هنا، فإن أي تصعيد عسكري يهدد البنية التحتية النفطية أو الملاحة في الخليج لا يعني اضطراباً إقليمياً فحسب، بل قد يفضي إلى صدمة طاقة جديدة تضرب الاقتصاد الأوروبي في مرحلة لا يزال فيها يتعافى من أزمات متلاحقة. ويأتي في هذا السياق، السعي الفرنسي دبلوماسياً لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة والبنية الاقتصادية في المنطقة.
وتحمل الخطوة الأوروبية، عدا عن البعد الدفاعي، رسالة ردع سياسية واضحة إلى طهران، مفادها أن أي محاولة لتوسيع نطاق الحرب باتجاه الخليج ستواجه شبكة دفاع متعددة الجنسيات. إنها أقرب إلى بداية تدويل حماية المجال الدفاعي في الخليج، حيث لم يعد الأمن الصاروخي في المنطقة شأناً أمريكياً فقط، بل أصبح جزءاً من شبكة دفاع غربية أوسع في مواجهة توسّع الحرب مع إيران، ومحاولة استباقية لاحتواء الحرب ضمن حدودها الحالية ومنع تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل ميزان الاستقرار الاقتصادي العالمي بأكمله.
ومن هذا المنظور، لا يعني إرسال منظومات دفاع جوي أوروبية إضافية إلى الخليج بالضرورة التحضير لحرب واسعة، بقدر ما يعكس محاولة لتعزيز الدفاعات ورفع كلفة أي تصعيد إيراني محتمل ضد دول المنطقة، ولا سيما بعدما بدأ الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يأخذ طابعاً إقليمياً أوسع، حيث تتحوَّل دول الخليج إلى ساحة حسَّاسة في معادلة الردع، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في هذه الحرب.
حتى الآن تدير دول الخليج بكثير من الحكمة والحسابات الدقيقة والمصلحة الخليجية تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما يصيبها منها. تحاول قنوات دبلوماسية خلفية العمل مع إيران لعدم استهداف الخليج وتوحي الأخيرة أن هدفها القواعد الأمريكية لا دول الجوار العربي، لكنها تواصل قصفها. تعتمد دول الخليج مساراً دفاعياً من دون الانزلاق إلى المسار الهجومي الذي ترغب به واشنطن. فوفق مراقبين، يعتري دوائر القرار الأمريكية الكثير من الحيرة بفعل عدم تبيان الدول الخليجية المُستهدفة أي رغبةً في شنّ هجوم مضادٍّ بإطلاق صواريخ على أهداف إيرانيّة، وبالتالي الانخراط الكامل في الصراع الكبير الدائر في المنطقة. لكن السؤال المقلق يكمن في ما إذا كانت ستتحمَّل عِبْءَ ما سيحدث أيّاً كان.




